أفضل الأدعية المستجابة من القرآن والسنة: دليلك الكامل للدعاء المقبول

الدعاء هو العبادة، وهو الصلة المباشرة بين العبد وربه، لا يحتاج إلى وسيط ولا إلى موعد ولا إلى مكان مخصوص. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. فجعل الله الدعاء عبادة، ووعد بالإجابة، وذمّ من يستكبر عنه.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» رواه الترمذي وأبو داود. وفي حديث آخر: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ» رواه الترمذي. فما أكرم هذا الباب الذي فتحه الله لعباده، وما أعظم هذه الرحمة التي وسعت كل سائل وراجٍ.

في هذا الدليل الشامل نجمع لك أفضل الأدعية المستجابة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، مع آداب الدعاء وأوقات الإجابة، لتكون لك زادًا في ليلك ونهارك، في رخائك وشدتك.

أولًا: أدعية قرآنية مستجابة

القرآن الكريم مليء بالأدعية العظيمة التي دعا بها الأنبياء والصالحون فاستجاب الله لهم. ومن أعظم ما يدعو به المسلم ما علّمه الله عباده في كتابه:

1. دعاء الجامع لخيري الدنيا والآخرة

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]. قال أنس رضي الله عنه: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» متفق عليه. وهو دعاء جامع لكل خير، يجمع سعادة الدارين والنجاة من النار.

2. دعاء الثبات على الهدى

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]. ما أحوج المسلم في زمن الفتن إلى هذا الدعاء! فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ومن ذاق حلاوة الهداية خاف أن تُسلب منه، فكان هذا الدعاء حصنه وملاذه.

3. دعاء موسى عليه السلام

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ۝ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ۝ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ۝ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 25-28]. دعا به موسى عليه السلام حين أُمر بتبليغ الرسالة إلى فرعون، فشرح الله صدره ويسّر أمره. وهو دعاء عظيم لكل من أقبل على أمر صعب: امتحان، أو مقابلة، أو خطبة، أو أي مهمة تحتاج إلى توفيق وتيسير.

4. دعاء يونس عليه السلام في بطن الحوت

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» رواه الترمذي. دعاء الكرب العظيم، من دعا به في أي كربة فرّج الله عنه.

5. دعاء المحتاج إلى الخير

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]. قالها موسى عليه السلام حين فرّ إلى مدين خائفًا جائعًا غريبًا، فما كان إلا أن رزقه الله الزوجة الصالحة والعمل الشريف والأمن بعد الخوف. من افتقر إلى الله أغناه الله من فضله.

6. دعاء الذرية الصالحة

﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. من صفات عباد الرحمن أنهم يدعون بهذا الدعاء، فالذرية الصالحة قرة عين في الدنيا وذخر في الآخرة، وهي من أعظم النعم التي تُطلب من الله.

ثانيًا: أدعية نبوية مستجابة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء، وعلّم أمته جوامع الدعاء التي تجمع خير الدنيا والآخرة. ومن أصحّها وأعظمها:

1. سؤال العفو والعافية

«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي» رواه أبو داود وابن ماجه. قال العباس رضي الله عنه: يا رسول الله علمني شيئًا أسأل الله به، قال: «سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ»، ثم جاءه بعد أيام فقال مثل ذلك، فقال له: «يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ، سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» رواه الترمذي. فالعافية أعظم ما يُسأل بعد اليقين.

2. دعاء تزكية النفس

«اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا» رواه مسلم. دعاء عظيم لمن أراد صلاح قلبه وتطهير نفسه، فالتقوى خير زاد، وتزكية النفس طريق الفلاح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9].

3. دعاء الثبات على الدين

«يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» رواه الترمذي. كان هذا من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت له أم سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله ما أكثر دعاءك بهذا! فقال: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ».

4. الاستعاذة من الهم والحزن

«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» رواه البخاري. دعاء جامع للاستعاذة من كل ما يكدر صفو الحياة: هموم المستقبل وأحزان الماضي، وعجز البدن وكسل النفس، وضيق ذات اليد وقهر الناس.

5. دعاء إصلاح الشأن كله

«اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» رواه مسلم. ما أجمعه من دعاء! يصلح الدين والدنيا والآخرة في كلمات معدودات.

ثالثًا: آداب الدعاء وشروط الإجابة

للدعاء آداب وشروط إذا تحقّق بها العبد كان أرجى للإجابة والقبول. ومن أهمها:

  1. الإخلاص لله وحده: قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 14]. فلا يدعو مع الله أحدًا، ولا يتوجه بقلبه إلى غيره.
  2. اليقين بالإجابة وحضور القلب: قال صلى الله عليه وسلم: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» رواه الترمذي.
  3. افتتاح الدعاء بالحمد والثناء والصلاة على النبي: قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» رواه الترمذي وأبو داود.
  4. رفع اليدين: قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» رواه أبو داود والترمذي.
  5. الإلحاح في الدعاء وعدم الاستعجال: قال صلى الله عليه وسلم: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» متفق عليه. فلا يملّ العبد من طرق الباب، فإن من أدمن طرق الباب يوشك أن يُفتح له.
  6. طيب المطعم والمشرب: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك؟ رواه مسلم.
  7. التضرع والخشوع وخفض الصوت: قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55].
  8. عدم الدعاء بإثم أو قطيعة رحم: قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» رواه مسلم.

رابعًا: أوقات وأحوال تُرجى فيها إجابة الدعاء

هناك أوقات وأحوال خصّها الله بمزيد فضل، فيكون الدعاء فيها أرجى للقبول:

  • الثلث الأخير من الليل: قال صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» متفق عليه.
  • بين الأذان والإقامة: قال صلى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» رواه الترمذي وأبو داود.
  • آخر ساعة من يوم الجمعة: قال صلى الله عليه وسلم: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» متفق عليه.
  • ليلة القدر: وهي خير من ألف شهر، والدعاء فيها مستجاب، وأفضل ما يُدعى به فيها: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».
  • عند السجود: قال صلى الله عليه وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» رواه مسلم.
  • دعوة الصائم عند فطره: قال صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُم: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» رواه الترمذي.
  • يوم عرفة: قال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ» رواه الترمذي.
  • عند نزول المطر: قال صلى الله عليه وسلم: «ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَتَحْتَ الْمَطَرِ» رواه الحاكم.

خاتمة: لا تيأس من روح الله

أخي المسلم، أختي المسلمة، اعلم أن الله قريب مجيب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. فلا تحقرنّ دعوة تدعو بها، ولا تستصغرنّ حاجة تسألها، فإنك تسأل ملك الملوك الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

وإذا تأخرت الإجابة فلا تظن أن الدعاء ضاع، فإن الله يستجيب لعبده بإحدى ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا» رواه أحمد.

فأكثر من الدعاء في الرخاء والشدة، في الصحة والمرض، في الغنى والفقر، وعلّم أبناءك وأهلك هذه الأدعية العظيمة، واجعل لسانك رطبًا بذكر الله ودعائه، فإن الدعاء سلاح المؤمن وعدّته في كل حين. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الدعاء، وأن يجيب دعواتنا، إنه سميع مجيب.