8:25 م

بين الوعي والتفكر، وبين الخرافة والجهل: حين يصبح الحكم بلا علم اعتداءً

 بين الوعي والتفكر، وبين الخرافة والجهل: حين يصبح الحكم بلا علم اعتداءً



من المؤسف أن يتحول الاختلاف مع فكرة أو ممارسة إلى إطلاق أحكام عامة على كل ما يتعلق بالوعي وتطوير الذات والتفكير والسلوك، ثم خلط ذلك كله بما يسمى «علم الطاقة» أو ببعض الممارسات الغيبية، وكأنها جميعًا شيء واحد. هذا خلط شديد، ولا يصدر عن معرفة دقيقة بالمفاهيم ولا عن قراءة متأنية لمنهج القرآن الكريم في التفكير والحكم على الناس.


فالقرآن الكريم لم يأمر الإنسان بإغلاق عقله، ولم يطلب منه أن يعيش بلا وعي أو مراجعة أو تفكر؛ بل على العكس، امتلأ القرآن بالدعوة إلى التفكر والتدبر والتعقل والنظر في النفس والكون ومراجعة الأعمال.


قال تعالى:


﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[آل عمران: 191]


تأملوا الآية: ذكر الله والتفكر اجتمعا في موضع واحد. فالتفكر ليس ضد الإيمان، والوعي ليس ضد التوكل، ومراجعة الإنسان لنفسه ليست خروجًا عن الإسلام.


وقال سبحانه:


﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾

[محمد: 24]


وقال:


﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

[البقرة: 44]


وقال سبحانه:


﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾

[الشمس: 9-10]


فماذا تعني تزكية النفس إن لم يكن فيها مراجعة للنفس، ومعرفة بعيوبها، وإصلاح للسلوك، ومجاهدة للضعف، والسعي إلى الأفضل؟


المشكلة ليست في الوعي؛ المشكلة في الجهل الذي يخلط بين الوعي والخرافة، ثم يحاكم الجميع بحكم واحد.


هناك فرق هائل بين معتقدات غيبية أو ممارسات لا دليل عليها، وبين التفكير الواعي، ومراجعة الأفكار، وفهم السلوك، والتعامل مع المشكلات والأحداث بصورة أكثر اتزانًا، وبين العلوم النفسية والسلوكية التي لها مناهجها وأدواتها.


ولا يجوز أن يكون مجرد استخدام كلمة «وعي» أو «تطوير الذات» سببًا للحكم على صاحبه بأنه يمارس «الطاقة» أو غيرها من الممارسات التي يرفضها البعض.


المعيار هو المضمون، لا التشابه في الأسماء.


والأشد خطورة أن يتحول هذا الجهل بالمفاهيم إلى اتهام للناس بما ليس فيهم، خصوصًا عندما يصل الأمر إلى اتهامهم بالسحر أو الشعوذة أو التعامل مع الجن أو غير ذلك من الأمور الخطيرة دون بينة.


هنا لا نتحدث عن مجرد رأي عابر.


نحن نتحدث عن اتهامات قد تدمر سمعة إنسان، وتؤذي نفسيته، وتؤثر في حياته وعمله وعلاقاته، وقد تدفع آخرين إلى الإساءة إليه أو ملاحقته أو إيذائه.


ولهذا جاء القرآن شديدًا في مسألة الكلام بلا علم.


قال الله تعالى:


﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾

[الإسراء: 36]


وقال سبحانه:


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

[الحجرات: 6]


فكيف يطلق إنسان اتهامات خطيرة بحق الآخرين دون بينة، ثم يطلب من الناس أن يصدقوه؟


والنبي ﷺ قال:


«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»

رواه مسلم.


وقال ﷺ:


«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»

متفق عليه.


فالكلمة مسؤولية، وليست لعبة.


ومن أعظم صور الجهل أن يتحدث الإنسان في أمر لم يتثبت منه، ثم يجعل جهله معيارًا للحكم على الآخرين.


إن كنت ترفض ممارسة معينة، فارفضها بالدليل.

وإن كنت ترى اعتقادًا باطلًا، فبيّن بطلانه.

وإن كنت ترى مخالفة شرعية، فاذكر النص الشرعي.

وإن كنت ترى خطأً علميًا، فقدم الدليل العلمي.


أما أن تخلط كل شيء بكل شيء، ثم تطلق أحكامًا قاسية على الناس، فهذا ليس علمًا ولا بحثًا ولا نصحًا.


بل إن القرآن نهى عن الظلم والعدوان:


﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

[البقرة: 190]


فمن أراد أن يدافع عن الدين، فليدافع عنه بالعلم والعدل والبينة، لا بالافتراء والتعميم والاتهام.


ومن أراد أن يحذر الناس من ممارسة معينة، فليحذرهم منها تحديدًا، وليوضح حقيقتها ودليل تحريمها إن كانت محرمة، بدل أن يضع كل من يتحدث عن الوعي والتفكر وتطوير الإنسان في خانة واحدة.


الإسلام ليس دين الجهل بالعقل، ولا دين الخوف من التفكير، ولا دين اتهام الناس بلا بينة.


الإسلام دين علم وتثبت وعدل وتقوى.


والقرآن الذي يأمر بالتفكر والتدبر والتعقل لا يمكن أن يكون حجة لمنع الإنسان من التفكير، كما أن الدعوة إلى الوعي لا تجعل الباطل حقًا.


فلنفرق، ولنقرأ، ولنبحث، ولنخاف الله في ألسنتنا قبل أن نخاف من أفكار الآخرين.


لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الجهل إلى يقين، والتعميم إلى حكم، والاتهام إلى حقيقة في أذهان الناس.


وحينها لا يكون الإنسان قد دافع عن الدين، بل قد أساء إلى الدين بجهله بطريقة الحكم على الناس.


وأما من ظلم إنسانًا وافترى عليه واتهمه بما ليس فيه، فليتذكر أن الأمر ليس متروكًا للهوى؛ فالله سبحانه لا يحب المعتدين، ولا يضيع عنده حق المظلوم، وكل إنسان مسؤول عن كلمته وما ترتب عليها.


نسأل الله أن يهدينا جميعًا للحق، وأن يرزقنا العلم قبل الكلام، والبينة قبل الحكم، والعدل قبل الاتهام، وأن يجنبنا ظلم عباده والقول عليهم بغير علم.