8:29 م

حين يتحول الجهل إلى تجهيل للناس يقرؤن القران ولا يتدبرون الفروقات بين علم الطاقة والتنمية البشرية

حين يتحول الجهل إلى تجهيل للناس

ليس كل الناس سواء بالعقل 




المشكلة هنا ليست في أن يختلف الإنسان مع فكرة أو ينتقد منهجًا أو يرفض بعض الممارسات التي لا يؤمن بها؛ فالاختلاف حق، والنقد العلمي والفكري حق. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى جهلٍ بالناس، وتجهيلٍ لعقولهم، واختزالٍ لكل ما لا يفهمه صاحبه في كلمة واحدة: «طاقة»، ثم بناء الأحكام والاتهامات على هذا الاختزال.


هناك علوم ومناهج وتجارب إنسانية حديثة تتناول الوعي، والسلوك، وإدارة الأفكار والمشاعر، والتكيف مع تغيرات الحياة، وفهم الذات، وتقبل الواقع، وتحسين طريقة التعامل مع الضغوط والعلاقات والقرارات. وليس من المنهج العلمي ولا من الإنصاف أن تُجمع هذه المجالات كلها في سلة واحدة، ثم يُقال للناس: هذه «علوم طاقة»، أو إنها متشابهة، أو إنها بالضرورة مخالفة للدين.


والأعجب من ذلك أن بعض من يهاجمون هذه المجالات يتعاملون مع الناس وكأنهم كتلة واحدة؛ وكأن كل من تحدث عن الوعي أو النفس أو تطوير الذات قد ترك الله وتوكل على غيره، أو اعتقد في قوة غيبية مستقلة عن الله. وهذا تعميم جاهل لا يصح.


نعم، قد توجد أفكار وممارسات باطلة، وقد توجد ادعاءات لا دليل عليها، وقد توجد خرافات تُلبس لباس العلم. وهذه تُناقش وتُرفض بالدليل. لكن رفض الباطل لا يكون باختراع باطل آخر، ولا يكون باتهام الناس جزافًا، ولا يكون بتجريم كل فكرة لمجرد أن صاحبها لم يفهمها.


بل إن القرآن نفسه يربي الإنسان على النظر والتفكر والتدبر والعقل، قال تعالى:


﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[آل عمران: 191]


فالإسلام لم يطلب من الإنسان أن يعطل عقله، بل دعاه إلى التفكر والتدبر والنظر.


وقال تعالى:


﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾

[محمد: 24]


وقال:


﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

[البقرة: 44]


وقال تعالى في التحذير من الكلام بغير علم:


﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾

[الإسراء: 36]


وهذه الآية وحدها كافية لتجعل الإنسان يتوقف ألف مرة قبل أن يتحدث عن أشخاص وأفكار وتجارب لا يملك عنها علمًا حقيقيًا.


والقرآن لا يترك باب نقل الكلام والاتهامات مفتوحًا بلا ضابط، بل يقول:


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

[الحجرات: 6]


فما بال من يسمع شيئًا، ثم يبني عليه حكمًا، ثم يحوله إلى فيديو، ثم يقدمه للجمهور وكأنه حقيقة قطعية؟


النبي ﷺ قال:


«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»

[رواه مسلم]


فليست المشكلة فقط في الكذب الصريح؛ المشكلة أيضًا في أن يتحول الإنسان إلى ناقل لكل ما يسمع، دون تحقق، ودون فهم، ودون علم.


أما أن تصل الجرأة إلى اتهام أشخاص بالسحر أو الشعوذة أو التعامل مع الجن أو الانحراف لمجرد أنهم يتحدثون عن الوعي أو النفس أو تطوير الذات أو فهم الحياة، فهذا ليس علمًا ولا نقدًا ولا نصحًا. هذا اتهام خطير يحتاج إلى بينة، وإلا أصبح صاحبه هو الذي وقع فيما يحذر منه.


والأشد غرابة أن بعض هؤلاء يتصور أن كل من تحدث عن الوعي أو السلوك أو النفس إنما يفعل ذلك بعيدًا عن الله.


وهذا أيضًا افتراء على الناس.


فكم من إنسان يتحدث عن تطوير ذاته وهو يذكر الله؟

وكم من إنسان يتعلم علم النفس والسلوك وهو يؤمن بالله ويتوكل عليه؟

وكم من مسلم يحاول أن يفهم نفسه، ويصلح أخلاقه، ويضبط غضبه، ويحسن علاقاته، ويتعامل مع تغيرات الحياة، وقلبه متعلق بالله سبحانه وتعالى؟


هل أصبح مجرد استخدام مصطلحات حديثة في فهم النفس والحياة دليلًا على ترك الدين؟


أين الدليل؟


بل إن جوهر محاسبة النفس وإصلاحها موجود في القرآن، قال تعالى:


﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[الشمس: 9-10]


وقال تعالى:


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾

[الحشر: 18]


ففهم النفس، ومراجعة السلوك، ومحاسبة الإنسان لنفسه، وإصلاح أخلاقه، والتفكر في حياته ليست اختراعًا ضد الإسلام حتى يصبح كل من تحدث عنها متهمًا في دينه.


المشكلة الحقيقية إذن ليست في الاختلاف، وإنما في الجهل الذي يتحول إلى سلطة على عقول الآخرين.


أن تجهل شيئًا لا يعني أنه خرافة.

وأن لا تفهم منهجًا لا يعني أنه باطل.

وأن ترفض فكرة لا يعطيك الحق في تشويه أصحابها.

وأن تختلف مع شخص لا يجعلك مالكًا للحقيقة المطلقة.


والقرآن شديد الوضوح في النهي عن العدوان، قال تعالى:


﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

[البقرة: 190]


وقال سبحانه:


﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾

[المائدة: 8]


فحتى مع الخصومة والاختلاف، يبقى العدل واجبًا.


أما إطلاق الأوصاف المهينة على الناس، واتهامهم بما لا دليل عليه، وتصوير كل مختلف فكريًا على أنه ضال أو ساحر أو مشعوذ أو تابع للجن أو عدو للدين، فهذه ليست غيرة على الدين؛ هذه فوضى في الحكم على الناس.


ومن أراد أن ينتقد فليأتِ بالدليل.

ومن أراد أن يرفض فكرة فليفندها.

ومن أراد أن يحذر من ممارسة فليشرح خطرها.

ومن أراد أن يناقش علمًا فليأتِ بالعلم.


أما أن يعجز عن فهم الفكرة، ثم يحول عجزه عن الفهم إلى اتهام لصاحبها، فهذه ليست قوة فكرية؛ هذا هو الجهل حين يتقمص ثوب المعرفة.


والأخطر أن الإنسان قد يظن أنه يدافع عن الحق، بينما هو في الحقيقة يظلم الناس بلسانه.


قال النبي ﷺ:


«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»

[متفق عليه]


فليتذكر كل من جعل لسانه أداة للتشهير والاتهام أن الكلمات ليست بلا حساب، وأن الإنسان مسؤول عما يقول، وأن الدين الذي يرفع شعاراته لا يسمح له بأن يجعل الظن علمًا، والجهل يقينًا، والاتهام دليلًا.


لا أحد فوق النقد، ولا أحد فوق المراجعة، ولا أحد فوق الدليل.


لكن أيضًا لا أحد يستحق أن يُتهم بلا علم.


ومن أراد أن يحارب الخرافة، فليحاربها بالعلم.

ومن أراد أن يدافع عن الدين، فليدافع عنه بالعدل.

ومن أراد أن يكشف الخطأ، فليكشفه بالدليل.

ومن أراد أن ينصح الناس، فليتقِ الله في أعراضهم وعقولهم.


أما أن يصبح الجهل هو المنهج، والتعميم هو الدليل، والتشهير هو الحجة، والاتهام هو البديل عن البرهان، فهنا لا نكون أمام دفاع عن الدين ولا أمام وعي؛ بل أمام صورة أخرى من صور التجهيل.


والدين أعظم من أن يحتاج إلى ظلم الناس حتى ننتصر له، والحق أقوى من أن يحتاج إلى افتراء، والعلم لا يخاف من السؤال، والعقل لا يخاف من البحث، ومن كان واثقًا من حجته لا يحتاج إلى تشويه خصمه.


فالاختلاف لا يبرر العدوان، والجهل لا يصنع علمًا، والاتهام لا يصنع حقيقة، ومن تكلم بغير علم فعليه أن يتذكر قول الله تعالى:


﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.


هذه ليست دعوة إلى قبول كل شيء، بل دعوة إلى شيء أبسط وأعظم: 

أن نرفض الباطل بالعلم، ونناقش الخطأ بالدليل، ونختلف بالعدل، ولا نحول جهلنا بما لا نفهمه إلى تهمة في دين الناس وعقولهم.