الإنسان عدو ما يجهل
حين يتحول الجهل من حالةٍ في العقل إلى سلاحٍ على الناس
ليس كل ما لا نعرفه خرافة، وليس كل ما لا نفهمه باطلًا، وليس كل ما يخالف تصوراتنا خروجًا عن الدين. لكن واحدة من أخطر مشكلات الإنسان أنه حين يعجز عن فهم شيء، قد لا يقول: «لا أعرف»، بل يقول: «هذا باطل». وحين لا يستطيع تفكيك فكرة، قد لا يبحث، بل يهاجم. وحين لا يفهم منهجًا، قد لا يتعلمه، بل يشوّه أصحابه.
وهنا بالضبط يظهر معنى: الإنسان عدو ما يجهل.
فالجهل في ذاته نقصٌ يمكن علاجه، أما أن يتحول الجهل إلى يقين، ثم يتحول اليقين إلى حكم على الآخرين، ثم يتحول الحكم إلى تشهير واتهام وتحريض، فهنا تصبح المسألة أخطر بكثير من مجرد اختلاف فكري؛ هنا يصبح الجهل اعتداءً على العقول والسمعة والحق.
والمؤلم أن بعض الناس يتحدثون عن الدين وكأن الدين جاء ليغلق باب السؤال، ويمنع الإنسان من التفكير، ويجعل كل محاولة لفهم النفس والسلوك والحياة مؤامرة على العقيدة.
وهذا قلبٌ للحقائق.
القرآن الذي يتلوه هؤلاء ليلًا ونهارًا هو نفسه الذي يكرر دعوة الإنسان إلى العقل، والنظر، والتدبر، والتفكر، ومراجعة النفس، والتمييز بين العلم والظن.
قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[آل عمران: 191]
لاحظوا الجمع بين أمرين عظيمين:
ذكر الله،
والتفكر.
فليس التفكير عدو الإيمان.
وليس السؤال عدو اليقين.
وليس فهم النفس عدو التوكل.
وليس تعلم أدوات التعامل مع الحياة منافسةً للعبادة.
بل قد يكون العلم الصحيح وسيلةً لفهم النفس وإصلاحها، بشرط ألا تُنسب إلى الشرع عقائد لا دليل عليها، وألا تُحوّل الفرضيات إلى حقائق غيبية.
والقرآن يقول:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
ويقول:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
ويقول:
﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
فكيف أصبح استعمال العقل عند بعض الناس تهمة؟
كيف أصبح البحث في النفس والسلوك والوعي سببًا للارتياب؟
كيف أصبح مجرد الحديث عن الوعي أو تطوير الذات أو تنظيم المشاعر أو فهم السلوك دليلًا على أن صاحبه ترك الله؟
من أين جاء هذا الحكم؟
أين الدليل؟
هنا تبدأ الكارثة.
أن تجمع كل شيء لا تفهمه تحت عنوان واحد: «علوم طاقة».
ثم تجمع تحت هذا العنوان علم النفس، وتطوير الذات، ومهارات التفكير، والتأمل، وإدارة المشاعر، وتغيير العادات، والعلاج السلوكي، والنظريات الفلسفية، والممارسات الروحية، ثم تحكم عليها جميعًا بحكم واحد.
هذا ليس نقدًا علميًا.
هذا اختزال.
والاختزال حين يأتي من شخص يدعي أنه يعلّم الناس قد يتحول إلى تضليل.
ليس المطلوب أن تقبل كل ما يُطرح باسم الوعي.
ولا أن تؤمن بكل نظرية.
ولا أن تبرر كل ممارسة.
ولا أن تجعل المصطلحات الحديثة مقدسة.
على العكس تمامًا.
هناك أفكار باطلة، وهناك ممارسات خرافية، وهناك ادعاءات غيبية لا دليل عليها، وهناك من يستغل حاجة الناس النفسية ويبيعهم أوهامًا.
ولكن كشف ذلك يحتاج إلى علم.
أما أن تضع كل المختلف تحت عنوان واحد، ثم تبدأ في اتهام أصحابه بالسحر والشعوذة والجن والانحراف العقدي، فهذا ليس علمًا؛ هذا جهل يلبس لباس الغيرة على الدين.
والقرآن لا يسمح لك بهذا.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾
[الإسراء: 36]
هذه ليست آية هامشية.
هذه قاعدة أخلاقية وعلمية وأخلاقية في آنٍ واحد:
لا تتبع ما لا علم لك به.
لا تحوّل السماع إلى يقين.
لا تجعل الظن حقيقة.
لا تجعل الانطباع دليلًا.
لا تجعل القصص المتداولة علمًا.
ولا تجعل عدم فهمك للشيء حجةً على بطلانه.
والأخطر من ذلك أن الله لم يأمرنا فقط بالتثبت من المعلومة، بل حذر من نتائج الجهالة نفسها:
﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[الحجرات: 6]
تأملوا الكلمة:
«بجهالة».
قد يظن الإنسان أنه يدافع عن الحق، ثم يكتشف أنه ظلم أناسًا لأن معلوماته كانت ناقصة، أو لأنه سمع رواية واحدة، أو لأنه فهم كلامًا على غير مراده، أو لأنه وضع كل الأفكار في صندوق واحد.
والنبي ﷺ سدّ هذا الباب سدًا عظيمًا فقال:
«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»
[رواه مسلم]
فمشكلة الإنسان ليست فقط أن يكذب.
قد تكون المشكلة أن ينقل ما لم يتحقق منه.
أن يسمع كلامًا ثم ينشره.
أن يلتقط مقطعًا ثم يبني عليه عقيدة.
أن يرى شخصًا يستخدم لفظًا لا يعجبه، ثم ينسج حوله اتهامات.
أن يسمع ادعاءً خطيرًا ثم يتعامل معه وكأنه حقيقة مثبتة.
وهذا بالضبط هو المكان الذي ينبغي أن يرتجف فيه الإنسان من مسؤولية الكلمة.
لأن الكلمة قد تهدم سمعة.
والكلمة قد تصنع عداوة.
والكلمة قد تجعل الناس يهاجمون إنسانًا لا يعرفونه.
والكلمة قد تحول المختلف إلى متهم.
والكلمة قد تجعل الجهل جماعيًا.
وهنا لا يعود الأمر نقاشًا فكريًا.
بل يتحول إلى عدوان.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
[المائدة: 8]
أي حتى الكراهية لا تسمح لك بأن تترك العدل.
فإذا كنت تكره فكرة، كن عادلًا.
إذا كنت ترفض منهجًا، كن عادلًا.
إذا كنت تختلف مع شخص، كن عادلًا.
إذا كنت تعتقد أن أحدًا أخطأ، فناقش خطأه، لا تخترع له خطايا لم تثبت.
هذا هو الدين.
ليس الدين أن تكره أكثر.
الدين أن تعدل أكثر.
وليس الإيمان أن تصرخ أعلى.
الإيمان أن تتقي الله في لسانك.
وليس الانتصار للحق أن تجرح الناس.
الانتصار للحق أن تلتزم بالحق وأنت تدافع عنه.
والنبي ﷺ قال:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»
[متفق عليه]
فكيف يستقيم أن يكون الإنسان شديد الحديث عن الدين، ثم يجعل لسانه أداة للتشهير والتحقير والافتراء؟
كيف يطالب الناس بالاستقامة، بينما هو يظلمهم في الحكم؟
كيف يرفع شعار محاربة الباطل، ثم يستخدم الظن والجهل والاتهام؟
هذا تناقض أخلاقي قبل أن يكون تناقضًا فكريًا.
ومن أعظم مصائب الجهل أن الإنسان قد يظن أنه يحارب الانحراف، بينما هو نفسه ينحرف في طريقة الحكم على الآخرين.
قد يهرب من خرافة، فيقع في خرافة أخرى.
وقد يرفض ادعاءً غير علمي، فيبني هو ادعاءات غير علمية.
وقد ينتقد الآخرين لأنهم يخلطون بين الأشياء، ثم يخلط هو بين عشرات المجالات المختلفة في حكم واحد.
وهذا من أعجب صور التناقض.
أما المسلم الذي يتحدث عن الوعي، أو النفس، أو السلوك، أو تطوير الذات، أو مواجهة القلق، أو تحسين العلاقات، أو مراجعة العادات، أو البحث عن معنى في الحياة، فلا يجوز تلقائيًا أن تقول عنه إنه ابتعد عن الله.
فكم من إنسان قلبه متعلق بالله، ولسانه عامر بذكر الله، وهو في الوقت نفسه يتعلم كيف يفهم نفسه ويصلحها.
وكم من إنسان يتعلم علم النفس والسلوك، ويؤمن أن النفع والشفاء والتوفيق كله بيد الله.
وكم من مسلم يبحث عن وسائل تعينه على إصلاح حياته، دون أن يعتقد أن سببًا من الأسباب مستقل عن الله.
الوسيلة شيء،
والعقيدة شيء آخر.
الاستفادة من سبب بشري أو علم تجريبي لا تعني عبادة السبب.
والتعلم عن المشاعر لا يعني جعل المشاعر إلهًا.
وتعلم السلوك لا يعني ترك التوكل.
وتطوير الذات لا يعني الاستغناء عن الله.
بل الإنسان قد يتعلم السبب، ثم يقول بقلبه قبل لسانه:
يا رب، أنت الموفق، وأنت النافع، وأنت المدبر.
فلا تجعلوا جهلًا بالمصطلحات حكمًا على عقائد الناس.
ولا تجعلوا اختلاف الأساليب اختلافًا في التوحيد.
ولا تجعلوا كل جديد شيطانيًا لمجرد أنه جديد.
الإسلام ليس ضعيفًا أمام العلم.
والحق لا يخاف من البحث.
والعقيدة الصحيحة لا تحتاج إلى اختراع الأكاذيب حتى تحمي نفسها.
والذي يملك حجة لا يحتاج إلى الشتيمة.
والذي يملك علمًا لا يحتاج إلى التخويف.
والذي يملك دليلًا لا يحتاج إلى تشويه الأشخاص.
أما أن يتحول النقاش إلى سب، واحتقار، واستهزاء، واتهام، وتحقير للعقول، فذلك ليس قوة.
ذلك عجز عن الإقناع.
والقرآن يصف لنا خطورة الكلام بغير علم:
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾
[الكهف: 5]
فالكلمة ليست مجرد صوت.
الكلمة مسؤولية.
ومن هنا يجب أن نفهم أن اتهام الناس بأمور خطيرة ليس لعبة إعلامية.
إذا قلت عن شخص إنه ساحر، فهذه ليست نكتة.
إذا نسبت إليه التعامل مع الجن، فهذه ليست عبارة عابرة.
إذا رميته بالشعوذة، فهذه ليست مراجعة فكرية.
إذا جعلت الناس يشكّون في دينه وعقله وشرفه بسبب ادعاء غير موثق، فقد تجاوزت حدود النقد.
أنت لا تنتقد فكرة فقط؛ أنت تصنع صورة عن إنسان أمام جمهور.
وهنا يصبح لزامًا عليك أن تسأل نفسك:
هل أملك الدليل؟
هل فهمت كلامه أصلًا؟
هل نقلت كلامه كاملًا؟
هل اقتطعت عبارته؟
هل فرّقت بين ما قاله فعلًا وما فهمته أنا؟
هل عندي علم أم مجرد انطباع؟
هل أنا أنصح أم أشهّر؟
هل أنا أنقد أم أنتقم؟
هل أنا أتكلم لله أم لغضب نفسي؟
هذه الأسئلة هي التي تكشف الفرق بين العالم والجاهل.
بين الناقد والجلاد.
بين الناصح والمحرّض.
بين الغيرة على الدين والغيرة المنفلتة التي تظلم الناس باسم الدين.
والقرآن لا يطلب منا أن نكون جلادين للناس.
بل يطلب منا العدل.
والصدق.
والتبين.
والتقوى.
وضبط اللسان.
والإنسان الذي يجهل شيئًا أمامه ثلاثة طرق:
إما أن يتعلمه،
أو يقول لا أعلمه،
أو يهاجمه.
والعاقل يسلك الأول أو الثاني.
أما الثالث فهو طريق الجهل المتكبر.
وأخطر شيء في الجهل أنه إذا صاح بصوت عالٍ، ظن نفسه علمًا.
ولهذا فإن بعض الناس لا يعادون العلم لأنه خاطئ، بل لأنه جديد عليهم.
ولا يرفضون الفكرة لأنها باطلة، بل لأنها تكشف قصور معرفتهم.
ولا يخافون على الناس من الفكرة، بقدر ما يخافون من أن يكتشف الناس أن الصورة التي كانوا يقدمونها لهم ناقصة.
وهنا يصبح «الإنسان عدو ما يجهل» وصفًا دقيقًا جدًا لبعض الخطابات التي تنشأ من الخوف من المجهول، لا من العلم بحقيقته.
فبدل أن يقول الإنسان:
«دعونا نفهم.»
يقول:
«دعونا نهاجم.»
وبدل:
«هاتوا الدليل.»
يقول:
«أنا أعرف أن هذا باطل.»
وبدل:
«اشرحوا لنا الفرق بين هذه المجالات.»
يقول:
«كلها شيء واحد.»
وبدل:
«هل قالوا ذلك فعلًا؟»
يقول:
«سمعت أنهم يقولون.»
وهنا يتحول الجهل إلى ماكينة لصناعة الأحكام.
لكن الله سبحانه وتعالى لم يجعلنا مسؤولين عن التحكم في الناس بعقولنا، وإنما جعلنا مسؤولين عما نقول ونفعل.
وكل إنسان سيقف وحده أمام الله.
وعندها لن ينفعه عدد المتابعين.
ولا عدد المقاطع.
ولا التصفيق.
ولا شهرة الخطاب.
ولا كثرة من صدقه.
بل سينفعه الصدق والعدل والتقوى.
فليتق الله من جعل لسانه سيفًا على الناس.
وليحذر من أن يظلم إنسانًا لأنه لم يفهمه.
وليحذر من أن يتهم إنسانًا لأنه لم يوافقه.
وليحذر من أن يجعل سوء الظن دينًا.
وليحذر من أن يتعامل مع الظنون كأنها وحي.
وليحذر من أن يظن أن التشدد في الأحكام دليل على قوة الإيمان.
أحيانًا يكون التشدد في الحكم مجرد نقص في العلم.
وأحيانًا يكون الصوت الأعلى مجرد عجز عن تقديم البرهان.
وأحيانًا يكون التكفير الفكري للآخرين ليس قوة دينية، بل فقرًا معرفيًا متخفيًا خلف لغة دينية.
لذلك، إن أردت أن تحارب الخرافة، فتعلم العلم.
وإن أردت أن تحارب الباطل، فأتِ بالدليل.
وإن أردت أن تصحح خطأ، فحدده.
وإن أردت أن تنصح إنسانًا، فاعدل معه.
وإن أردت أن تدافع عن القرآن والسنة، فلا تخالف القرآن والسنة وأنت تدافع عنهما.
لأنك لا تستطيع أن تدافع عن الحق بالباطل.
ولا تستطيع أن تنتصر للدين بظلم الناس.
ولا تستطيع أن تحارب الجهل بأن تصبح جاهلًا.
ولا تستطيع أن تطلب من الناس أن يتبينوا وأنت تنشر ما لم تتبين منه.
وأقسى ما يمكن أن يقال هنا ليس الشتائم، بل الحقيقة:
أن أخطر الجهلة ليس من يقول «لا أعرف».
بل من لا يعرف، ولا يريد أن يعرف، ثم يتحدث بثقة من يعلم، ويحاكم الناس بما يجهل، ويخيف الناس مما لم يفهم، ويصنع من ظنه يقينًا، ومن جهله فتوى، ومن غضبه منهجًا.
هذا هو الجهل حين يتحول إلى سلطة.
وهذا هو التجهيل حين يصبح صناعة.
ولهذا، قبل أن تحكم على أي إنسان، اسأل نفسك:
هل أنا أحكم عليه بعلم أم بجهل؟
هل عندي دليل أم قصة؟
هل عندي برهان أم انطباع؟
هل أنا أزن الفكرة أم أهاجم صاحبها؟
هل أنا أبحث عن الحق، أم أبحث عن خصم أنتصر عليه؟
فإن لم تملك العلم، فالصمت أحيانًا عبادة.
وإن لم تملك الدليل، فالتوقف تقوى.
وإن لم تفهم، فقل: لا أعلم.
فالله سبحانه وتعالى لم يذم الجهل فقط، بل ذم الجرأة على القول بغير علم:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: 33]
فتأملوا آخرها:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
فإذا كان الكلام على الله بغير علم من أعظم المحرمات، فكيف بمن يجعل حديثه عن الناس، وعن عقائدهم، وعن نياتهم، وعن ممارساتهم، مبنيًا على الجهل والظن والقصص؟
الخلاصة:
ليس كل ما تجهله باطلًا.
وليس كل ما لا تفهمه بدعة.
وليس كل جديد ضلالًا.
وليس كل حديث عن النفس «طاقة».
وليس كل حديث عن الوعي تركًا لله.
وليس كل من تعلّم طرقًا لفهم حياته قد ترك دينه.
وليس اختلاف المصطلحات اختلافًا في التوحيد.
ولكن نعم:
كل ادعاء غيبي يحتاج إلى دليل.
وكل فكرة تُعرض كعلم يجب أن تخضع للنقد.
وكل ممارسة خاطئة يجب أن تُرفض.
وكل خرافة يجب أن تُكشف.
لكن بالعلم.
بالبرهان.
بالعدل.
وبالتقوى.
لا بالجهل.
ولا بالتشهير.
ولا بالتحريض.
ولا بتحويل الناس إلى أهداف سهلة للاتهام.
فالإنسان عدو ما يجهل.
لكن المؤمن الحقيقي ليس أسيرًا لجهله.
إذا لم يعرف، تعلّم.
إذا شك، تثبت.
إذا اختلف، عدل.
إذا انتقد، أقام الدليل.
وإذا تكلم، خاف الله في كلمته.
وهنا يظهر الفرق بين من يحمل الدين حقًا، ومن يحمل فقط صورة عن الدين.
فالدين الذي أنزل القرآن لا يخشى العقل.
والحق الذي جاء به محمد ﷺ لا يخشى السؤال.
والعلم لا يخشى التحقق.
أما الجهل، فهو الذي يخاف من السؤال؛
لأنه يعرف أن أول سؤال صادق قد يهدم إمبراطورية كاملة من الظنون.
